ابن تيمية

15

مجموعة الفتاوى

بِالِاتِّفَاقِ فَإِخْرَاجُ الْأَئِمَّةِ مِنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَنَاوِلٌ لِمَا تَنَاوَلَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنَّ كِلَاهُمَا خِطَابٌ لِلشَّاكِّ فَذَاكَ أَمْرٌ لَهُ بِالتَّحَرِّي . إذَا أَمْكَنَهُ فَيَزُولُ الشَّكُّ . وَالثَّانِي أَمْرٌ لَهُ إذَا لَمْ يَزَلْ الشَّكُّ مَاذَا يَصْنَعُ . وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِلْحَاكِمِ : اُحْكُمْ بِالْبَيِّنَةِ وَاحْكُمْ بِالشُّهُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا مَعَ الْإِمْكَانِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ رَجَعَ إلَى الِاسْتِصْحَابِ وَهُوَ الْبَرَاءَةُ . كَذَلِكَ الْمُصَلِّي الشَّاكُّ : يَعْمَلُ بِمَا يُبَيِّنُ لَهُ الصَّوَابَ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ رَجَعَ إلَى الِاسْتِصْحَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ . وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالتَّحَرِّي يَقْطَعُ وَسْوَاسَ الشَّيْطَانِ أَوْ يُقَلِّلُهُ ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَحَرَّ فَلَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يُشَكِّكُهُ فِيمَا فَعَلَهُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ . وَقَدْ قَالُوا : إنَّهُ لَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ هَلْ تَرَكَ وَاجِباً لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ سَلَّمَ بَعْدَ إتْمَامِهَا فَعُلِمَ أَنَّ الظَّاهِرَ يُقَدَّمُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أُمُورِ الشَّرْعِ . وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي عَدَدِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَرَمْي الْجِمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ : أَنَّ التَّمَسُّكَ بِمُجَرَّدِ اسْتِصْحَابِ حَالِ الْعَدَمِ أَضْعَفُ الْأَدِلَّةِ مُطْلَقاً وَأَدْنَى دَلِيلٍ يُرَجَّحُ عَلَيْهِ كَاسْتِصْحَابِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ